سؤال وجواب
حول مقطع مرئي منتشر :
في عشر أفكار ذهبية خلال العشر
الأواخر من رمضان
سم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله،
والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد : فقد سئلت عن مقطع مرئي منتشر بعنوان (عشر أفكار ذهبية
خلال رمضان) يهدف فيه صاحبه إلى استحسان عشر عبادات قولية وفعلية لو وافقت ليلة
القدر كان أجرها عظيمًا لمن قالها أو فعلها.
فأجبت : بأن
هذا المقال لا يجوز نشره ولا العمل به وذلك للأمور التالية:
الأمر
الأول : أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين :
الأول : الإخلاص لله .
والثاني :
المتابعة والموافقة لسنة النبي ﷺ .
عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :"مَنْ أَحْدَثَ فِي
أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ".
وفي لفظ لمسلم
:"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".
أخرجه البخاري
في الصحيح (3/184رقم2697)، ومسلم في الصحيح (3/1343رقم1718).
قال النووي في
شرح مسلم (12/16) :"هَذَا الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ
وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ ﷺ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي رَدِّ كُلِّ الْبِدَعِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ
... وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي ابطال المنكرات
واشاعة الاستدلال به".
وقال ابن رجب
في جامع العلوم والحكم (1/176-178) :"هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ
الْإِسْلَامِ، وَهُوَ كَالْمِيزَانِ لِلْأَعْمَالِ فِي ظَاهِرِهَا كَمَا أَنَّ حَدِيثَ
:"الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" مِيزَانٌ لِلْأَعْمَالِ فِي بَاطِنِهَا، فَكَمَا
أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لِعَامِلِهِ
فِيهِ ثَوَابٌ، فَكَذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَمْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،
فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى عَامِلِهِ، وَكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ
بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ.
... فَالْمَعْنَى
إِذًا: أَنَّ مَنْ كَانَ عَمَلُهُ خَارِجًا عَنِ الشَّرْعِ لَيْسَ مُتَقَيِّدًا بِالشَّرْعِ،
فَهُوَ مَرْدُودٌ.
وَقَوْلُهُ ﷺ
:"لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَعْمَالَ الْعَامِلِينَ
كُلِّهِمْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَتَكُونُ أَحْكَامُ
الشَّرِيعَةِ حَاكِمَةً عَلَيْهَا بِأَمْرِهَا وَنَهْيِهَا، فَمَنْ كَانَ عَمَلُهُ
جَارِيًا تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مُوَافِقًا لَهَا، فَهُوَ مَقْبُولٌ، وَمَنْ كَانَ
خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مَرْدُودٌ.
... ولَيْسَ كُلُّ
مَا كَانَ قُرْبَةً فِي مَوْطِنٍ يَكُونُ قُرْبَةً فِي كُلِّ الْمَوَاطِنِ، وَإِنَّمَا
يَتْبَعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا وَرَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ فِي مَوَاضِعِهَا".
الأمر
الثاني : أن هذه الأمور لم يفعلها الرسول ﷺ ولا الصحابة :
أن هذا الأمر
لم يشرعه رسول الله ﷺ، ولا كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ قال ﷺ في
الفرقة الناجية :"ما أنا عليه اليوم أصحابي".
وقال
عَبْدُاللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه :"اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعوَا فَقَدْ
كُفِيتُمْ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".
أخرجه المروزي
في السنة (28رقم78).
وقال الإمام
مالك :"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها؛ فما لم يكن يومئذ دينًا لا
يكون اليوم دينًا".
الأمر
الثالث : أن هذا الأمر محدث في دين الله فهو بدعة ضلالة :
قال
الْعِرْبَاض بْن سَارِيَةَ، قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :"عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ
الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا
بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ
بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".
أخرجه أبو
داود في السنن (4/200رقم4607).
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (6/526رقم2735).
وقَالَ عبدالله
بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما :"كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ
حَسَنًا".
أخرجه المروزي
في السنة (29رقم82).
وصححه
الألباني في أحكام الجنائز.
قال ابن رجب
في جامع العلوم والحكم (2/127-128) :"قَوْلُهُ ﷺ :"وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ
الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"
تَحْذِيرٌ لِلْأَمَةِ
مِنَ اتِّبَاعِ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ: مَا أُحْدِثَ مِمَّا لَا أَصْلَ
لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ...
فَقَوْلُهُ ﷺ
:"كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ
شَيْءٌ، وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ".
الأمر
الرابع : أن النبي ﷺ علمنا ما نقوله ونعمله في ليلة القدر .
فيشرع
لنا قيامها : قال أَبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال
النَّبِيُّ ﷺ :"مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
أخرجه البخاري
في الصحيح (3/26رقم1901)، ومسلم في الصحيح (1/523رقم760) .
ويشرع
لنا قول : اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ
عَنِّي
قَالَتْ
عَائِشَةُ رضي الله عنها، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ
لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا ؟
فقَالَ ﷺ
:"قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي".
أخرجه الترمذي
في السنن (5/534رقم3513).
وقال الترمذي
:"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ". وقال الألباني :"صحيح".
الأمر
الخامس : أن اتباع السنة أن نعمل بها كما عملها النبي ﷺ :
قال نَافِع، إنَّ
رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالسَّلَامُ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ !
فقَالَ ابْنُ عُمَرَ
:"وَأَنَا أَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَلَيْسَ
هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ :"الحَمْدُ لِلَّهِ
عَلَى كُلِّ حَالٍ".
أخرجه الترمذي
في السنن (5/81رقم2738). وحسنه الألباني .
ورَأَى سعيد
بْنُ الْمُسَيِّبِ، رَجُلًا يُكَرِّرُ الرُّكُوعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَنَهَاهُ!!!
فَقَالَ الرجل
:"يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَيُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟".
فقَالَ سعيد
:"لَا، وَلَكِنْ يُعَذِّبُكَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ".
أخرجه
عبدالرزاق في المصنف (3/52رقم4755).
وصححه
الألباني في إرواء الغليل (2/236).
وقال الألباني
:"فائدة : هذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وهو سلاح قوي على
المبتدعة الذين يستحسنون كثيرًا من البدع باسم أنها ذكر وصلاة، ثم ينكرون على أهل السنة
إنكار ذلك عليهم، ويتهمونهم بأنهم ينكرون الذكر والصلاة! ! وهم فى الحقيقة إنما ينكرون
خلافهم للسنة في الذكر والصلاة ونحو ذلك".
وقال شيخ
الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (24/248) :"اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَالشَّرِيعَةِ
فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَانَ قَدْ فَعَلَ ...كَانَ
مُوَافَقَتُهُ فِي ذَلِكَ هُوَ التَّأَسِّي وَالِاتِّبَاعُ الْمَشْرُوعُ وَهُوَ أَنْ
يَفْعَلَ مَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ".
وقد سئل شيخنا
العلامة محمد العثيمين رحمه الله تعالى عن شخص اعتاد أن يتصدق في العشر الأواخر من
رمضان تحريًا لليلة القدر في صدقته فهل هذا وارد ؟
فأجاب رحمه
الله :
لا ! ليلة
القدر إنما يطلب قيامها يعني إحياءها بالتهجد .
ولم يرد عن
النبي ﷺ الحث فيها على الصدقة ولا على العمرة ...
يجب أن نخصص
الليالي والأيام والأماكن بما جاءت به الشريعة فقط ولا نزيد ...".
الأمر
السادس: لا يجوز الجزم بالأجر وعدده وكماله؛ لأنه أمر غيبي:
أنه يجزم
بحصول الأجر، بالملايين وهذا أمر غيبي لا يعلم المؤمن في عباداته هل قبلت أم لا .
وإذا قبلت هل كتب له الأجر كاملًا أم ناقص؛ فإن النبي ﷺ قال في المصلي ما رواه عَمَّارُ
بْنُ يَاسِرٍ رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ :"إِنَّ
الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا ثُمْنُهَا
سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا".
أخرجه أبو
داود في السنن (1/211رقم796).
وصححه
الألباني في صلاة التراويح (119رقم6).
الأمر
السابع : تحديد الصلاة على النبي ﷺ بـمائة لا دليل عليه :
ولا دليل على
تحديد عدد الصلاة على النبي ﷺ بهذا العدد.
الأمر
الثامن : تحديد الصدقة بالريال لا دليل :
ولا دليل على
تحديد الصدقة ولا عدد المتصدق به .
الأمر
التاسع : تحديد القيام ليلة القدر بركعتين لا دليل عليه :
إذ المشروع
قيام ليلة القدر دون تحديد بعدد
الأمر
العاشر : جميع ما ذكر من العبادات مشروعة لكن لم يأتِ أنها تشرع ليلة القدر .
إذ تخصيص
عبادة بزمان أو مكان أو صفة أو عدد أو كيفية أو سبب لم يرد به الشرع لا يجوز !
إعداد
أد . أحمد بن عمر بن سالم بازمول
يوم الاثنين 20 رمضان 1447هجري