مختصر
بيان أن الرد على
المخالف، وعلى من أخطأ، وإبلاغ ولاة الأمر عن الخوارج الإرهابيين؛ ليس داخلًا في
أحاديث تتبع الزلات ولا الستر على المسلم!
إعداد
أد. أبي عمر
أحمد بن عمر بن سالم بازمول
الجمعة
25 شعبان 1447هجري
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد
فقد سئلت عن
أحاديث الستر وعدم تتبع العورات هل يدخل فيها : المخالفون للحق وبيان حالهم، والرد
على من أخطأ، وإبلاغ ولاة الأمر عن المفسدين، وعن الخوارج الإرهابيين ؟
وهل أغلق باب
الجرح والتعديل ؟
فأجبت : أن
هذا ليس داخلًا في أحاديث الستر على المسلم والنهي عن تتبع العورات وإليك البيان :
1- أن النبي ﷺ
حذرنا من أهل البدع والأهواء؛ فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ âهُوَ
الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ
مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ á فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
:"إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ
الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ". متفق عليه.
قال النووي :"فِي
هَذَا الْحَدِيثِ التَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَطَةِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ
وَمَنْ يَتَّبِعُ الْمُشْكِلَاتِ لِلْفِتْنَةِ فَأَمَّا مَنْ سَأَلَ عَمَّا أَشْكَلَ
عَلَيْهِ مِنْهَا لِلِاسْتِرْشَادِ وَتَلَطَّفَ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَجَوَابُهُ
وَاجِبٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يُجَابُ بَلْ يُزْجَرُ وَيُعَزَّرُ".
وقال العلامة
ابن عثيمين في معرض كلامه عن ما يراه الغاسل من العيوب في الميت عند غسله :"قال
العلماء: إلا إذا كان صاحب بدعة، وداعية إلى بدعته ورآه على وجهٍ مكروه، فإنه ينبغي
أن يبين ذلك حتى يحذر الناس من دعوته إلى البدعة؛ لأن الناس إذا علموا أن خاتمته على
هذه الحال، فإنهم ينفرون من منهجه وطريقه، وهذا القول لا شك قول جيد وحسن؛ لما فيه
من درء المفسدة التي تحصل باتباع هذا المبتدع الداعية، وكذا لو كان صاحب مبدأ هدّام
كالبعثيين والحداثيين".
2- أن النبي ﷺ
أقر زيد بن أرقم على إبلاغه بقول عبدالله بن أبي وعدم ستره له ! فعن زيد بن أرقم
أنه قال: لَمَّا قال عبداللَّهِ بن أُبَيٍّ لَا تُنْفِقُوا على من عِنْدَ رسول
اللَّهِ وقال أَيْضًا لَئِنْ رَجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ أَخْبَرْتُ بِهِ النبي ﷺ فَلَامَنِي
الْأَنْصَارُ وَحَلَفَ عبداللَّهِ بن أُبَيٍّ ما قال ذلك فَرَجَعْتُ إلى
الْمَنْزِلِ فَنِمْتُ فَدَعَانِي رسول اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ فقال :"إِنَّ
اللَّهَ قد صَدَّقَكَ وَنَزَلَ ﴿هُمُ
الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا﴾".
متفق عليه
قال النووي :"في
حديث زيد بن أرقم هذا إنه ينبغي لمن سمع أمرًا يتعلق بالإمام أو نحوه من كبار ولاة
الأمور ويخاف ضرره على المسلمين أن يبلغه إياه ليحترز منه وفيه منقبة لزيد".
وقال الشيخ
صالح الفوزان :"لا يجوز التستر على من يبيت شرًا للمسلمين، بل يجب على من علم
بحاله أن يخبر عنه، حتى يسلم المسلمون من شره، فإذا كان هناك خلية فيها خطر على
المسلمين، وفيها شر على المسلمين فيجب إبلاغ ولاة الأمور عنهم؛ ليأخذوا على أيديهم
ويكفوا شرهم عن المسلمين".
3- أن بيان الأخطاء والرد على المخالف ليس من باب
تتبع العثرات ولا من باب القيل والقال؛ قال الشيخ صالح الفوزان :"نحن حين
نبين أخطاء هذه الكتب أو هؤلاء الدعاة ليس من باب التجريح للأشخاص لذاتهم، وإنما
من باب النصيحة للأمة أن تتسرب إليها أفكار مشبوهة، ثم تكون الفتنة، وتتفرق
الكلمة، وتتشتت الجماعة، وليس غرضنا الأشخاص، غرضنا الأفكار الموجودة بالكتب التي
وفدت إلينا باسم الدعوة".
ثم أن الرد
على المخالف ليس المقصود منه تنقصه أو الفضيحة بل المقصود منه النصيحة، هذا
الظاهر، والسرائر علمها عند الله، قال الشيخ صالح الفوزان :"نحن نحب العلماء
ولله الحمد ونحب الدعاة في الله U، لكن إذا أخطأ واحد منهم في مسألة فنحن
نُبَيِّن الحق في هذه المسألة بالدليل، ولا يُنقص ذلك من محبة المردود عليه، ولا
من قدره . يقول الإمام مالك رحمه الله :" ما مِنَّا إلا رادٌ ومردودٌ عليه؛
إلا صاحب هذا القبر". يعني : رسول الله e.
نحن إذا رددنا على بعض أهل العلم، وبعض الفضلاء؛ ليس معنى هذا أننا نبغضه أو
نتنقصه، وإنما نُبَيِّن الصواب".
4- أن السكوت عن المبتدعة وعن الجهال
المتصدرين فيه تغرير بالعامة، وتدليس عليهم، وكتمان للحق؛ فيظنون أنهم على حق
وخير، والواقع أكبر شاهد على ذلك، قال الشيخ صالح الفوزان :"السلف حذرونا من
الثقة بالمبتدعة، وعن الثناء عليهم، ومن مجالستهم، والمبتدعة يجب التحذير منهم،
ويجب الابتعاد عنهم، ولو كان عندهم شيء من الحق، فإن غالب الضُلاَّل لا يخلون من
شيء من الحق؛ ولكن ما دام عندهم ابتداع، وعندهم مخالفات، وعندهم أفكار سيئة، فلا
يجوز الثناء عليهم، ولا يجوز مدحهم، ولا يجوز التغاضي عن بدعتهم؛ لأن في هذا
ترويجًا للبدعة، وتهوينًا من أمر السنة، وبهذه الطريقة يظهر المبتدعة ويكونون قادة
للأمة لا قدَّر الله فالواجب التحذير منهم".
5- أن الكلام
في رواة الحديث، وفي المتصدرين لإفادة الناس، ليس من باب الغيبة المحرمة، بل هو
واجب شرعي، وداخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو من أعظم أبواب العلم؛
لما فيه من حفظ السنة والدين من البدع والضلالات والأفكار المنحرفة، وقد كان السلف
من أحرص الناس على الرد على كل منحرف ومخالف، وكشف كل زائغ وضال، مهما كانت منزلته
عند الناس تقربًا إلى الله، قال يحيى بن سعيد القطان قال: سألت شعبة وسفيان بن
سعيد وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس عن الرجل لا يحفظ ويتهم في الحديث ؟ فقالوا
جميعًا: بَيِّن أمره".
وقال شعبة :"تعالوا
حتى نغتاب في الله".
وعلق عليه الذهبي
بقوله :"يريد الكلام في الشيوخ".
وقال الحسن بن
الربيع : قال ابن المبارك: المعلى بن هلال هو إلا انه إذا جاء الحديث يكذب! قال
فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبدالرحمن تغتاب! فقال: اسكت إذا لم نبين كيف يعرف
الحق من الباطل أو نحو هذا من الكلام"
وقال ابن رجب :"الكلام
في الجرح والتعديل جائز، قد أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها".
وقال أيضًا :"أهل
البدع والضلال ومن تشبه بالعلماء وليس منهم؛ يجوز بيان جهلهم، وإظهار عيوبهم
تحذيرًا من الاقتداء بهم".
6- وأما دعوى
اختصاص علم الجرح والتعديل، بباب الرواية فهي دعوى غير صحيحة؛ لأن السلف إنما
تكلموا فيمن تكلموا فيه؛ حماية للدين من البدع والضلالات سواء كان في باب الرواية
أو في باب الدراية، ولذلك نجدهم قد تكلموا في جماعة لا رواية لهم، وإذا كانوا
يردون رواية الراوي المبتدع إذا كان داعية أو روى ما يوافق بدعته؛ فرد كلام أهل
الأهواء والبدع والجهال الذي يفسرون به النصوص الشرعية من باب أولى، قال شيخ
الإسلام ابن تيمية :"النصح واجب في المصالح الدينية الخاصة والعامة مثل نقلة
الحديث الذين يغلطون أو يكذبون، ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب
والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب
باتفاق المسلمين".
وقال ابن قيم
الجوزية :"جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية أو ذبًا عن
الله ورسوله، ومن هذا طعن أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة ومن هذا طعن ورثة
الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع لله لا لحظوظهم وأغراضهم. وجواز الرد
على الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم وغلط".
وقال ابن رجب :"
لا فرق بين الطعن في رواة حفَّاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن
لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأوَّلَ شيئًا منها
على غير تأويله وتمسك بما لا يتمسك به ليُحذِّر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد
أجمع العلماء على جواز ذلك".
وقال الشيخ
صالح الفوزان :" القاعـدة التنبيه على الخطأ والانحراف بعد تشخيصه، وإذا
اقتضى الأمر أن يصرح باسم الأشخاص المخالفين حتى لا يغتر بهم، وخصوصًا الأشخاص
الذين عندهم انحراف في الفكر أو انحراف في السيرة والمنهج، وهم مشهورون عند الناس،
ويحسنون فيهم الظن، فلا بأس أن يُذْكَروا بأسمائهم وأن يُحَذر من منهجهم".